أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

151

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

وهو ضمير رفع منفصل ، وحكم ميمه بالنسبة إلى السكون والحركة والإشباع والاختلاس حكم ميم هم ، وقد تقدّم جميع ذلك . قوله تعالى : وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا : « إن حرف شرط يجزم فعلين شرطا وجزاء ، ولا يكون إلا في المحتمل وقوعه ، وهي أمّ ألباب ، فلذلك يحذف مجزومها كثيرا ، وقد يحذف الشرط والجزاء معا ، قال : 271 - قالت بنات العمّ يا سلمى وإن * كان فقيرا معدما قالت : وإن « 1 » أي : وإن كان فقيرا تزوجته ، وتكون « إن » نافية لتعمل وتهمل ، وتكون مخففة وزائدة باطّراد وعدمه ، وأجاز بعضهم أن تكون بمعنى إذ ، وبعضهم أن تكون بمعنى قد ، ولها أحكام كثيرة . و « في ريب » خبر كان ، فيتعلّق بمحذوف ، ومحلّ « كان » الجزم ، وهي وإن كانت ماضية لفظا فهي مستقبلة معنى . وزعم المبرد أنّ ل « كان » الناقصة حكما مع « إن » ليس لغيرها من الأفعال الناقصة فزعم أن لقوة « كان » أنّ « إن » الشرطية لا تقلب معناها إلى الاستقبال ، بل تكون على معناها من المضيّ ، وتبعه في ذلك أبو البقاء ، وعلّل ذلك بأنه كثر استعمالها غير دالّة على حدث . وهذا مردود عند الجمهور لأن التعليق إنما يكون في المستقبل ، وتأوّلوا ما ظاهره غير ذلك ، نحو : إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ « 2 » : إمّا بإضمار « يكن » بعد « إن » ، وإمّا على التبيين ، والتقدير : إن يكن قميصه أو إن يتبيّن كون قميصه ، ولمّا خفي هذا المعنى على بعضهم جعل « إن » هنا بمنزلة « إذ » . وقوله : فِي رَيْبٍ مجاز من حيث إنه جعل الريب ظرفا محيطا بهم ، بمنزلة المكان لكثرة وقوعه منهم . و « ممّا » يتعلق بمحذوف لأنه صفة لريب فهو في محلّ جرّ . و « من » للسببية أو ابتداء الغاية ، ولا يجوز أن تكون للتبعيض ، ويجوز أن تتعلّق بريب ، أي : إن ارتبتم من أجل ، ف « من » هنا للسببية « وما » موصولة أو نكرة موصوفة ، والعائد على كلا القولين محذوف أي : نزّلناه . والتضعيف في « نزّلنا » هنا للتعدية مرادفا لهمزة التعدّي ، ويدلّ عليه قراءة « أنزلنا » بالهمز « 3 » ، وجعل الزمخشري التضعيف هنا دالّا على نزوله منجّما في أوقات مختلفة . قال بعضهم « 4 » : « وهذا الذي ذهب إليه في تضعيف الكلمة هنا هو الذي يعبّر عنه بالتكثير ، أي يفعل ذلك مرة بعد مرة ، فيدلّ على ذلك بالتضعيف ، ويعبّر عنه بالكثرة » . قال : « وذهل عن قاعدة - وهي أن التضعيف الدالّ على ذلك من شرطه أن يكون في الأفعال المتعدية قبل التضعيف غالبا نحو : جرّحت زيدا وفتّحت الباب ، ولا يقال : جلّس زيد ، ونزّل لم يكن متعديا قبل التضعيف ، وإنّ ما جعله متعديا تضعيفه . وقوله « غالبا » لأنه قد جاء التضعيف دالّا على الكثرة في اللازم قليلا نحو : « موّت المال » وأيضا فالتضعيف الدالّ على الكثرة لا يجعل القاصر متعديا كما تقدّم في موّت المال ، ونزّل كان قاصرا فصار بالتضعيف متعدّيا ، فدلّ على أن تضعيفه للنقل لا للتكثير ، وأيضا كان يحتاج قوله تعالى : لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً « 5 » إلى تأويل ، وأيضا فقد جاء التضعيف حيث لا يمكن فيه التكثير نحو

--> ( 1 ) البيت لرؤبة . انظر ملحق ديوانه ( 186 ) ، المقرب ( 1 / 277 ) ، شرح شواهد المغني ( 936 ) ، المغني ( 2 / 649 ) ، رصف المباني ( 106 ) ، ضرائر الشعر ( 185 ) ، التصريح ( 1958 ) ، البحر المحيط ( 5 / 2 - 5 ) ، روح المعاني ( 4 / 164 ) . ( 2 ) سورة يوسف ، آية ( 26 ) . ( 3 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 103 ) . ( 4 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 103 ) . ( 5 ) سورة الفرقان ، آية ( 32 ) .